الجنيد البغدادي
86
رسائل الجنيد
القرب منه مدفونا ، ثم صيره بالكلية فانيا رميما عن كل ما سواه ، ثم صيره حيا باقيا لبقائه في الأبد مع الأبد إلى الأبد جل جلاله ، ثم بعد ذلك تأتيه حالات ومقامات كرهت شرحها غيرة عليها حتى أجد أهلها ، وفيما قد ذكرنا إشارات وعبارات لا تصلح للعوام الذين طبعوا على طبائع الأنعام ، ولا يعرفون من نعم المنعم غير الطعام والمنام وحسن المعاشرة مع الأنام ، بل هذا يصلح لمن له سراج الديمومية ونور الأزلية : وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [ النور : 40 ] فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [ الحج : 46 ] . افهموا معاشر القاصدين إلى اللّه تعالى ما ذكرنا لكم من بيان التهيؤ للقصد ، وما ينبغي لكم فيه إن أردتم أن تكونوا للوصل أهلا وباللّه التوفيق على ما يحب ربنا ويرضى ، فإنه الموفق لما يشاء ، فإن وفقتم معاشر إخواني على ما ذكرنا في هذه الرسالة المباركة فبخ بخ ، وإلا ففي كتاب معالي الهمم لكم كفاية إن عرفتم ما ذكرنا منه من لطائف الإشارات وجواهر مكنون العبارات ، فإن وفقتم لولاية اللّه تعالى ونظرتم فيه بعين التحقيق وفقتم له إن شاء اللّه تعالى ( شعر ) قلوب العارفين لها عيون * ترى ما لا يراه الناظرون وأجنحة تطير بغير ريش * فتأوي عند رب العالمينا وألسنة بسر قد تناجي * بغيب عن كرام كاتبينا فترعى في رياض القدس طورا * وتشرب من بحار العارفينا عباد فضلوا بالسر حتى * دنو منه وصاروا قاصدينا تم كتاب القصد إلى اللّه تعالى تأليف الشيخ العارف باللّه تعالى أبو القاسم الجنيد البغدادي قدس اللّه سره ونور ضريحه . فرغ من زبره يوم الاثنين لسبع وعشرين في شهر ربيع الأول أحد شهور سنة ست ومائة بعد الألف .